أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )
378
البلدان
وكان الكلدانيون جنودهم . فلم تزل مملكتهم قائمة إلى أن قتل دار آخر ملوكهم . ثم قتل منهم خلقا فذلَّوا وانقطع ملكهم . وذكر ابن الكلبي : ان مدينة بابل كانت اثني عشر فرسخا في مثل ذلك . وكان بابها مما يلي الكوفة . وكان الفرات يجري ببابل حتى صرفه بخت نصر إلى موضعه الآن مخافة أن يهدم عليه سور المدينة لأنه كان يجري معه . قال : ومدينة بابل بناها بيوراسب واشتق اسمها من اسم المشتري . لأن بابل باللسان البابلي الأول اسم للمشتري . ولما بناها جمع فيها كل من قدر عليه من العلماء وبنى لهم اثني عشر قصرا على عدد [ 77 ب ] البروج وسماها بأسمائهم . فلم تزل عامرة حتى خرج الإسكندر فأخربها . وقال الله عزّ وجلّ وما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ 2 : 102 . فروي عن الأعمش قال : كان مجاهد لا يسمع بشيء من الأعاجيب إلَّا مضى حتى ينظر إليه . وانه صار إلى حضرموت حتى نظر إلى بئر برهوت ، وأتى بابل فلقيه رجل من رؤساء أهلها كان عارفا به . فلما لقيه أكبره وقال له : أبا الحجاج ما تصنع هاهنا ؟ قال حاجة لي إلى رأس الجالوت ، أحب أن تدخلني إليه وتعرّفه من أنا . فأدخله إليه وعرّفه محلَّه وموضعه وقال : له حاجة إليك . قال وما حاجتك ؟ قال : تأمر بعض اليهود أن يريني هاروت وماروت . فامتنع عليه طويلا ثم قال له : أخشى أن لا تتماسك . قال : أرجو أن لا يكون إلَّا ما تحب . فأرسل إلى رجل من اليهود فقال : اذهب بهذا فأدخله إلى هاروت وماروت . فقال له اليهودي : كيف تجد قلبك ؟ قال : ما شئت . فانطلق به إلى مكان غامض في الصحراء ، وإذا صخرة عظيمة . فتكلم عليها كلاما ذكر أنه من التوراة ، فأقبلت تهتز . ثم رفعها وأزالها عن مكانها . وكانت لا يقلَّها مائة رجل . وإذا تحتها شبيه بالسرب . فقال له اليهودي : تعلق بي وانظر أن لا تذكر الله . فنزل معه مجاهد ، فلم يزل يهوي به حتى صارا إلى فضاء عظيم . وإذا هما مثل الجبلين العظيمين ، منكوسان على رؤوسهما وعليهما الحديد من أعناقهما إلى أقدامهما مصفدين . فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر الله عزّ وجلّ . فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا أن يقطعا ما عليهما من